الجزء 8 الطريق المتجمد والانتظار الطويل
الصراع ضد العناصر
خرج آدم من شقته. فجأة، هبت عليه عاصفة هوجاء كادت أن تدفعه للخلف. بدأ مهمة شاقة، يسحب نفسه نحو سيارته. كانت السيارة قد تحولت إلى كومة بيضاء تحت وطأة الثلج المتساقط بغزارة. كافح لإزالة الجليد عن الزجاج الأمامي. هذا الحاجز الجليدي الخشن حجب رؤيته تمامًا. حتى من خلال قفازاته السميكة، شعر وكأن يديه قطعتان من الجليد. اخترق الهواء المتجمد كل طبقة من ملابسه، ولسع جلده ببرودة قارسة.
بعد عدة محاولات مضنية، اشتغل المحرك أخيرًا بصعوبة، وخفتَ هديره الميكانيكي بفعل الثلج المحيط. بدأ رحلته ببطء شديد، محسوبًا كل حركة بدقة متناهية؛ كل ثانية تمر تزيد من خوفه الداخلي، إذ كان خطر الانزلاق عن الطريق وفقدان السيطرة على السيارة يخيّم عليه كظله. ومع مرور الساعات، ازدادت ضراوة العاصفة، متراكمةً الثلج على الأسفلت بسرعة تفوق قدرة أي مسافر على اجتيازها. تأوهت السيارة، بالكاد تتحرك للأمام، وتجمدت النوافذ مرارًا وتكرارًا بينما بدا البرد القارس وكأنه يضغط على صدره، مهددًا بشلّ عزيمته.
الازدحام المروري وفجر كاسحات الثلج
بعد عدة ساعات، وصل آدم إلى جزء من الطريق السريع غمرته الثلوج المتراكمة. كان الطريق أشبه بمقبرة للسيارات، لا تتحرك فيه أي سيارة، ولا توجد آثار تدل على الطريق. حاول شق طريقه، لكنه سرعان ما أدرك الحقيقة: كان الثلج كثيفًا للغاية، جدارًا أبيضًا صلبًا يتحدى عزيمته.
وبالتالي، لم يكن أمامه خيار سوى الاستسلام لعوامل الطبيعة. احتمى داخل مقصورة سيارته الصغيرة وانتظر كاسحات الثلج. مرت تلك الساعات ببطء خانق. كل دقيقة كانت ثقيلة بصمت التندرا.
مع كل ارتعاشة، ازداد الوضع سوءًا. وما إن بدأ ضوء الفجر الباهت يتسلل عبر الغيوم الرمادية، حتى ظهرت كاسحات الثلج الضخمة كعمالقة على الأفق. شقت طريقها عبر أكوام الثلج الكثيفة، وحفرت مسارًا عبر الأرض المتجمدة، وفتحت تدريجيًا الممر المؤدي إلى الشمال. أطلق آدم زفيرًا طويلًا مرتجفًا من الراحة، وأمسك بعجلة القيادة بقوة متجددة، مدركًا تمامًا أن الرحلة لم تنتهِ بعد، وأن بقعًا وعرة غير ممهدة لا تزال تنتظره في ظلال الغابة.
رسالة سلام
خلال الانتظار الطويل والبارد، ظهر إشعار على هاتفه. أرسلت نادين رسالة عبر الموقع جاء فيها: "لم تعد ليلى بعد، لكنني أغلقت جميع النوافذ والأبواب بإحكام. يسود هنا صمتٌ غريبٌ ومخيف."
رغم الإرهاق، ارتسمت ابتسامة صغيرة متعبة على شفتي آدم. شعر براحة عابرة. كان يعلم أن نادين بخير وتراقبه بيقظة. مع ذلك، كان هذا السلام هشًا. فالطريق أمامه لا يزال محفوفًا بالمخاطر.
واستمرت الثلوج المتراكمة تعيق تقدمه في كل منعطف. كانت ليلى لا تزال مفقودة، كشبح في العاصفة، وكل كيلومتر يقطعه يعني مواجهة جديدة مع البرد القارس والغموض الخانق لما ينتظره. هل سيصل آدم إليها قبل أن تبلغ العاصفة ذروتها العنيفة؟ ما هي الأهوال الجديدة التي تنتظره على ذلك الطريق الموحش، وهل سيجد روحًا حية - أم مجرد غرفة فارغة - عندما يصل أخيرًا إلى وجهته؟
يتبع


